تحليلات

هل تراجعت القاهرة عن تصنيف كتائب القسّام تنظيماً إرهابياً؟

لقد وقفت مصر بنظامها وإعلامها إلى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية، فلم تحمّلها مسؤولية تدهور الأوضاع في القطاع. ولم تمارس ضغوطاً لحملها على عدم الردّ على العدوان. بل سارت في طريق تحميل إسرائيل المسؤولية عما انحدرت إليه الأمور. وتحركت ماكينتها الدبلوماسية صوب إعادة تثبيت التهدئة من جديد بين إسرائيل والقطاع.

ولم تكتف مصر بذلك بل أوفدت مسؤول الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية إلى قطاع غزة حيث عاين المكان الذي خرقت فيه إسرائيل التهدئة وتسببت باستشهاد سبعة من المقاومين أغلبهم قسّاميون قبل أن تتطور الأمور إلى قصف متبادل وفق قواعد مدروسة للطرفين. لكن قمّة الدهشة في الموقف المصري تمثلت بحضور الموفد المصري مهرجان الانتصار الذي أقامته حركة حماس وأبّنت فيه شهداء كتائب القسّام مع العلم أن مصر سبق أن صنّفت كتائب القسّام تنظيماً إرهابياً، حيث أصدرت محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة في 31 كانوني الثاني/ نوفمبر 2015، حكماً يعتبر “كتائب القسام” جماعة إرهابية.

فلماذا جاء الأداء المصري مغايراً هذه المرة لما كان عليه سابقاً؟ وهل يمثل تحولاً وتغييراً جذرياً في العلاقة بين الطرفين التي شهدت حالة من التحسن البطيء خلال السنتين الأخيرتين؟

وحتى نفهم تعقيد وصعوبة ما كانت عليه العلاقة بين الطرفين، نذكّر بالآتي:

  • كانت مصر ولا تزال تحارب بلا هوادة فكر وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وتعمل على استئصالهم وملاحقتهم داخل مصر وخارجها وتجرّم التعامل مع أي فرع من فروع الجماعة في أي مكان في العالم. وسبق لمصر بالتنسيق والتعاون مع دول خليجية في التحريض على مؤسسات الإخوان العاملة في دول الغرب، وتحديداً في بريطانيا وألمانيا وفرنسا. وقد حققت بعض النجاحات في التضييق عليهم. وما حركة حماس التي فكّت علاقتها التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين إلاّ امتداد فكري للجماعة، وإن كانت بقالب وطني مقاوم.
  • تعتبر مصر جزءاً من محور عربي يضمّ السعودية والإمارات والبحرين يرى أن من أولوياته الأمنية القضاء المبرم على كل أشكال قوى وحركات الإسلام السياسي لما تمثله هذه الجماعات- عند هذا المحور-  من تهديد عميق للنظام السياسي الرسمي العربي، ولارتباطها المباشر أو غير المباشر مع الثورة الإسلامية في إيران. ويحظى هذا المحور بدعم الرئيس الأميركي ترامب وبثناء دائم من قبل القيادات الأمنية والسياسية في إسرائيل التي تجد في هذا المحور جدار صدّ لمواجهة إيران وحزب الله، وكلّ الحركات التي تهدد وجود إسرائيل في المنطقة.
  • دأب الإعلام المصري منذ سقوط الإخوان المسلمين على اتهام حركة حماس بشكل مباشر في إخراج المساجين من السجون أيام ثورة يناير وفي قتل المتظاهرين لتأليب المجتمع المصري على نظام الرئيس مبارك وأنها- أي حماس- هي من تصنع وتموّل وتدعم وتشكّل خلفية للتنظيمات الإرهابية المتطرفة في سيناء التي تقاتل الجيش المصري. ولا تزال بعض وسائل الإعلام المصرية أو العربية المنتمية لهذا المحور تكرر هذه السردية المعادية لحركة حماس في محاولة شيطنتها.
  • عادت حماس إلى محور المقاومة بعد فتور وانقطاع دام لثلاث سنوات عقب الانتفاضات العربية. وكانت واضحة الحفاوة التي نالتها فصائل المقاومة عند الفاعلين في هذا المحور نتيجة صمودها وتكتيكاتها العسكرية ضد إسرائيل. وهو أمر لا يفترض أنه يرضي أو يطمئن النظام المصري الذي يجد في هذا المحور خطورة على مصالحه في الإقليم.
  • وإذا كانت حماس لم تقطع الوصل مع إيران وحزب الله فهي لم تفرط يوما بعلاقاتها مع تركيا وقطر، وقد تعمقت تلك العلاقة وتشعبت. وهذا عامل إضافي في تعقيد العلاقات المصرية الحمساوية.

فما هي الحاجة الحقيقية التي تدفع مصر إلى هذا الموقف المتغير والتي يبدو متناقضاً إلى حد بعيد مع التوجه السعودي والإماراتي المحارب لجماعه الإخوان المسلمين، ولا سيما حركه حماس المصنفة تنظيماً إرهابياً عند الدولتين الخليجيتين، علما أن المتضرر الأول من بناء أي علاقة مع فرع من فروع الإخوان يفترض أن يكون النظام المصري قبل غيره؟

جواباً على ما سبق، هل استثناء القاهرة لحماس من بين فروع الإخوان المحاربة لديها يأتي رداً على تحييد الرياض وأبو ظبي حالياً لفرع الإخوان المسلمين في اليمن عن صراعاتهما مع الإخوان في العالم؟ ولو كان افتراض بناء العلاقة الجيدة في كلتا الحالتين قائماً على أن حركتي الإصلاح في اليمن وحماس في فلسطين قد أعلنتا بشكل رسمي انفصاليهما عن الجماعة الأم، فلماذا لا تنسحب العلاقة على كلّ من حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب؟ فمن المعروف لكل مختص أن فروع الإخوان في المغرب العربي هم أكثر تحرراً وابتعاداً عن اللوائح التنظيمية للجماعة الأمّ من أي فرع في المشرق العربي!

من البداهة القول: إن العداء للإخوان المسلمين ليس لتنظيمهم السياسي أو لتملك بعض فروعهم أجنحة مسلحة، بل لأن الجماعة تحمل فكراً يشكل تهديداً لبنية الأنظمة السياسية الملكية والجمهورية القائمة حالياً، ويهدد مشاريعها ومصالحها في المنطقة.

ولا يكفي القول إن سبب انتهاج مصر السلوك الجديد مع حماس مرتبط بالغضب المصري من السياسة الإسرائيلية التي طعنت مصر في الظهر في ملف التهدئة. بل للأمر عدة بواعث في تقديري:

  • مراعاة حماس الشديد للحساسية المصرية تجاه أغلب الملفات المرتبطة بالقاهرة في ملف المصالحة وفي ملف التهدئة وفي ملف الإخوان.
  • استعداد حماس لبحث تهدئة طويلة الأمد مع إسرائيل تنهي الحصار عن القطاع، ما يجعل مصر صاحبة اليد الأعلى في الملف الفلسطيني من بين الدول المتدخلة فيه.
  • رفع حماس يدها كلياً عن التدخل في الشأن الداخلي المصري وقطعها التدريجي لكل أشكال العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
  • المساعدات الاستخبارية وتزايد التنسيق الأمني بين حماس والجيش المصري حول عمل ونشاط وطبيعة التنظيمات المسلحة الناشطة في سيناء.
  • تضييق حماس على التنظيمات الناشطة في سيناء والتي تتخذ من قطاع غزة ملاذا في حالات الإطباق المصري عليها في سيناء.

ورغم كل ما فات، لا نستطيع الجزم بأن الموقف المصري هو تغيير جذري في العلاقة مع حماس، بل قد يكون تكتيكاً يأتي في إطار رؤيا عامة في العلاقة تنطلق من أمن سيناء بالدرجة الأولى ومحاولة مصر بسط يدها على كامل الملف الفلسطيني، وسعياً لدفع حماس للابتعاد تدريجياً عن كل من قطر وتركيا ومن ثم حزب الله وإيران وما يترتب عليه من سحب السلاح أو تنظيمه، وصولا إلى القبول بصفقة القرن التي تنهي الصراع العربي الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *