أخبار سياسية

النكبة الفلسطينية … جرائم متكررة للكيان الاسرائيلي

في بداية العقد الثامن لإعلان كيان الاحتلال الاستيطاني العنصري فوق تراب الوطن الفلسطيني في العام 1948، بعد العقود السبعة التي شهدت بدء تأسيس النكبة الأولى، عبر الطرد والتشريد والتطهير العرقي والاستعمار الاستيطاني للأرض الفلسطينية، وخلقه قضية لاجئين من وطنهم إلى الشتات وفي داخل وطنهم، واتباع سياسات تمييزية عنصرية.

والنكبة ما تني تتواصل فصولاً، على رغم مرور سبعين عاماً، تخللها الكثير من أشكال وأنواع الممارسات السابقة، لتعاود الإطلالة من جديد عبر أنواع أخرى من ممارسات «مقوننة» أكثر إيلاماً؛ ففي 24 أيار (مايو) الماضي، أقرّت محكمة الاحتلال الإسرائيلي العليا، هدم نحو 200 بيت في قرية عرب الجهالين في خان الأحمر شرقي القدس المحتلة، على الطريق بين مستوطنتي كفار أدوميم ومعاليه أدوميم، وترحيل السكان إلى أراضٍ قام الاحتلال بمصادرتها من قرية أبو ديس الفلسطينية، وإعلانها «أراضي دولة»، بهدف نقل عرب الجهالين إليها. ويشكّل القرار جزءاً من المخطط الذي يدعو إلى ضم كل كتلة مستوطنات معاليه أدوميم وكفار أدوميم، مع المنطقة المعروفة بـ «E2»، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها من خلال ضمّها لمنطقة نفوذ مدينة القدس.

وكانت دولة الاحتلال طردت عرب الجهالين من هذه الأراضي، في نهاية سنوات التسعين. وادّعت المحكمة أنّه لا يوجد سند قانوني أو قضائي، لإلغاء قرار وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، بتنفيذ قرارات الهدم الصادرة ضد بيوت عرب الجهالين في الخان الأحمر، وضد بيوت سكان قرية سوسيا الفلسطينية القريبة من مدينة الخليل، والتي يصارع أهلها ضد طردهم منها، لصالح إقامة مستوطنة يهودية تحمل الاسم ذاته.

ويشكل قرار المحكمة الإسرائيلية، سابقة خطيرة، لأنّه سيتم تعميمه على مصير تجمعات بدوية فلسطينية أخرى في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، بغية نقل سكانها إلى «بلدات دائمة»، مما يفرض على السكان تغيير نمط حياتهم وأشغالهم، بعد منعهم وسحب أراضي المراعي التي يملكونها ومصادرتها لصالح توسيع المستوطنات.

الجديد في الأمر، أن المحكمة الإسرائيلية لم تنف في قرارها، أنّ الخطة التي تعرضها حكومة الاحتلال غير قابلة للتطبيق، لكنّها ادّعت أنّ السؤال المطروح أمامها، هو قانونية طلب الحكومة بتنفيذ أوامر هدم البيوت التي أقيمت بدون تراخيص، علماً بأنّ سلطات التخطيط والتنظيم في الإدارة المدنية، رفضت، على مر عقدين من السنين، ترخيص بيوت عرب الجهالين في الخان الأحمر.

وكانت سلطات الاحتلال، رحّلت قبائل عرب الجهالين منذ النكبة في عام 1948 من أراضيهم الأصلية في النقب إلى الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس، التي كانت تحت الحكم الأردني. وبعد سقوط الضفة الغربية والقدس تحت الاحتلال عام 1967، واصلت حكومات الاحتلال تقليص مساحات التجمعات البدوية في الضفة الغربية، وإعلان هذه المناطق «أراضي تدريبات عسكرية مغلقة”.

وزادت حكومات الاحتلال من سياسة التضييق على قبائل الجهالين وعشائرهم، في أوج العملية التفاوضية في أوسلو، سعياً لترحيلهم عن المنطقة الحالية في خان الأحمر، على الطريق بين مستوطنتي معاليه أدوميم وكفار أدوميم، لضمان تواصل جغرافي خالٍ من التجمعات الفلسطينية.

ويأتي قرار المحكمة الإسرائيلية، على رغم احتجاجات أوروبية على هذا الموضوع، واستجابة لضغوط مستوطنة كفار أدوميم ولوبي المستوطنين في الكنيست، الذي قدّم أربعة التماسات للمحكمة مطالباً بهدم قرية وبيوت عرب الجهالين، من خلال تجنيد لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، ورؤساء المستوطنات الإسرائيلية الذين يتمتعون بنفوذ كبير في صفوف الحكومة الحالية، والأحزاب المكونة لها، فضلاً عن الضغط على منسق أعمال الحكومة في المناطق، لتطبيق أوامر الهدم ضد بيوت الفلسطينيين في عرب الجهالين، لأنّ المستوطنات في حاجة إلى أراضيهم للتوسع الاستيطاني فيها.

وعلى غرار جرائم حرب الفصول السابقة من النكبة، ذهب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان «بتسيلم»، إلى القول إن المحكمة العليا الإسرائيلية تسمح بارتكاب جريمة حرب في الخان الأحمر، وأن القضاة يتحملون المسؤولية إذا وقعت. وقال المركز إنه على رغم أن هذه السياسة أُقرّت من المستوى السياسي، غير أنه على غرار حالات أخرى انخرط القضاة في الجهد ومهدوا الطريق لاقتراف جريمة حرب. ولا تقتصر المسؤولية الشخصية عن اقتراف جريمة حرب كهذه على من يُحدد السياسة وحسب، بل تقع أيضاً على من مهد لمصلحتهم المسار القضائي.

هذه الممارسات الاحتلالية، استدعت تحركاً داخل الكونغرس الأميركي، وُصف بـ «الأوسع» ضد المستوطنات اليهودية المقامة في الضفة الغربية المحتلة، حيث وقّع 76 عضواً في مجلس النواب الأميركي على رسالة موجهة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، تطالبه بوقف سياسة تدمير المنازل الفلسطينية، الهادفة إلى توسيع المستوطنات.

وذكرت صحيفة «هآرتس» (24/5/2018)، أن أعضاء الكونغرس، وجميعهم من الديموقراطيين، طالبوا نتانياهو، بشكل خاص، بوقف تدمير منازل قرية «سوسيا» الفلسطينية، التي تقع في محيط مدينة الخليل، أقصى جنوب الضفة الغربية. كما أشارت إلى أن المشرعين الأميركيين لفتوا نظر نتانياهو إلى أنه في الوقت الذي «تتحول قرية سوسيا إلى أكوام من الركام، فإن المستوطنات اليهودية في محيطها تزدهر وتتوسع». ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في منظمة «جي ستريت» اليهودية الأميركية ذات التوجهات الليبرالية، قوله إن الخطوة التي أقدم عليها أعضاء الكونغرس تعد «العملية الأوسع التي تتم داخل الكونغرس ضد المستوطنات». وانتقدوا توسيع الاستيطان في الضفة واستمرار هدم منازل الفلسطينيين، قائلين إنه «فيما تبقى القرى الفلسطينية تواجه أوامر الهدم، تقوم الإدارة المدنية الإسرائيلية (هيئة تابعة للجيش تدير شؤونا خاصة بالفلسطينيين في الضفة) بتوسيع المستوطنات في الضفة». واعتبروا أن «الإخلاء القسري للتجمعات الفلسطينية والتوسع الاستيطاني في مناطق بالضفة، يفترض أن تصبح جزءا من الدولة الفلسطينية، يتعارضان مع القيم المشتركة للدولتين (الولايات المتحدة وإسرائيل) كالعدالة واحترام حقوق الإنسان».

يأتي ذلك مع إعلان وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، أن الحكومة ستقر مخططاً لبناء 3900 وحدة سكنية في 30 من المستوطنات اليهودية المقامة في الضفة الغربية. ونقل موقع صحيفة «جيروزاليم بوست»، عن ليبرمان قوله، إنّ الحكومة ستقر، في القادم من الأيام وكمرحلة أولى، بناء 2500 وحدة سكنية في المستوطنات؛ لافتاً إلى أنه سيتم إقرار بناء آلاف الوحدات السكنية، في وقت لاحق.

ويستدل من المعطيات التي قدمها ليبرمان أن عدداً من المستوطنات التي سيتم بناء الوحدات السكنية فيها تقع خارج التجمعات الاستيطانية الكبرى، لا سيما مستوطنات: حننيت، حلميش، نافيه تسوف، نفيه دانيال وغيرها. وشدّد ليبرمان على أن إنجاز المرحلة الأولى من توسيع المستوطنات سيتم في العام الجاري، مشيراً إلى أنه، خلال الأشهر المقبلة، سيتم إقرار خطط أخرى لبناء 1400 وحدة سكنية أخرى في المستوطنات.

وأخيراً بدأ الحديث والإعلان عن مشاريع تهجير الفلسطينيين من القدس بعد إعلان ترامب اعتبارها عاصمة لـدولة الاحتلال الإسرائيلي، وافتتاح السفارة الأميركية فيها، وفي هذا السياق ذكر مركز العدل والتنمية لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن كيان الاحتلال بصدد إصدار وإعداد قانون جديد بالكنيست الإسرائيلي لتهجير وطرد اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين المقيمين بمدينة القدس المحتلة إلى خارجها، في مخطط يهدف لتفريغ مواطنيها، وذلك تمهيدًا لتغيير الوضع القائم في القدس وفي الحرم القدسي الشريف وبناء «الهيكل» المزعوم.

ولم يكتف الإسرائيليون بذلك، فقد بشّر وزير الاستخبارات إسرائيل كاتس في مقابلة صحافية بأن واشنطن قد تعترف قريبا بسيادة إسرائيل على الجولان، ولهذا السبب تمارس حكومة نتانياهو ضغوطاً على إدارة ترامب للاعتراف بسيادتها على هضبة الجولان المحتلة، وتوقع الموافقة خلال شهور.

وفي وقت وصف كاتس الإقرار بسيطرة إسرائيل على الجولان والقائمة منذ 51 عاما باعتباره الاقتراح الذي «يتصدر جدول الأعمال» حالياً في المحادثات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. فسينظر إلى أي خطوة من هذا القبيل على أنها متابعة لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الدولي مع إيران، واعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفتح سفارة أميركية جديدة في المدينة.

هكذا وكأن ائتلاف حكومة نتانياهو اليميني المتطرف، لا يريد التقاط أنفاسه في ماراثون استغلال وجود يمين شعبوي متطرف في الولايات المتحدة، إلا وقد حقق كل ما يريد من فرض وقائع «الأمر الواقع» الكولونيالي الاستيطاني وسلب الفلسطينيين كل آمالهم وطموحاتهم الوطنية؛ في أن يكون لهم دولة مستقلة ذات سيادة، وهذا في حد ذاته فصل جديد من فصول نكبة ما فتئت تتناسل من واقع الهزائم والنكسات، في ظل الاستسلام والهروب إلى التطبيع مع العدو كنهاية مطاف الصراع معه، وهذا ما تشجع وما تحض عليه أنظمة رسمية عربية كثيرة، طالما يستمر الطلب منها أن تقدم «أضحياتها» من أرض ووطن الفلسطينيين، الذين لم ولن يبخلوا بتقديم التضحيات من أجل وطنهم الذي لا وطن لهم سواه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *