أخبار محلية

الكويت وقطر والإمارات… إلى السوق السورية

علاء حلبي
لأول مرّة منذ اندلاع الحرب في سورية قبل نحو سبعة أعوام تتوافق الأرقام الرسمية السورية وأرقام الأمم المتحدة حول حجم الدمار في سورية، الأمر الذي فسّره خبراء بأنه «أرضية دولية لانطلاق ملف إعادة الإعمار بشكل حقيقي، وقبول عالمي بأن الحرب انتهت، وأن مرحلة البناء قد بدأت فعلاً، الأمر الذي يعني أن سوقاً كبيرة ستفتح في سورية لشركات البناء والتطوير العقاري من جهة، والأرضية الصناعية والزراعية ستمهد للبدء بعودة دوران عجلة الاقتصاد السوري، ما دفع دول عربية كانت إلى وقت قريب معادية لدمشق للانعطاف، بحثاً عن حصة في «الكعكة السورية».

قبل أيام أصدرت اللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة في بيروت (إسكوا)، بعد مشاورات امتدت ليومين ملخصاً لتقرير مطول حول الدمار في سورية سينشر في أيلول المقبل، قدّر تكلفة إعادة الإعمار في سورية بنحو 400 مليار دولار (388 مليار دولار وفق التقرير)، في سابقة يمكن أن تعد الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب.

الأمم المتحدة التي أصرت حتى وقت قريب أن تكاليف إعادة إعمار سورية لا تتجاوز 100 مليار دولار، خرجت اليوم بأرقام مضاعفة أربع مرات عن تقديراتها السابقة، لتقترب إلى حد المطابقة مع الأرقام الحكومية السورية الرسمية، حيث ذكر الرئيس بشار الأسد في شهر نيسان الماضي أن تكاليف إعادة الإعمار تقدر بنحو 400 مليار دولار.

أرقام «إسكوا»

تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا)، الذي ناقشه أكثر من 50 خبيراً دولياً وسورياً على مدار يومين في بيروت، قّدر أن كلفة الدمار الفعلي للحرب في سورية قاربت 120 مليار دولار، من دون أن يشمل الخسائر البشرية الناتجة عن موت وهروب العقول، والقدرات البشرية، واليد العاملة الماهرة.

وذكرت اللجنة الاقتصادية أنها أعدت تقريرا تفصيليا سيصدر في أيلول المقبل بعنوان «سوريا… 7 سنوات من الحرب» يتضمن تحليلا مسهبا لتطور الحرب والآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها، موضحةً أن تقريرها المرتقب يلقي الضوء على الركائز الرئيسة، لإعادة بناء سورية في مرحلة ما بعد الحرب، وتتجلى في إعادة تفعيل المحركات الذاتية للانتعاش الاقتصادي، وتحديد متطلباتها والتحديات الرئيسية التي تواجهها ولا سيما على صعيد الحكومة، وسياسات الاقتصاد الكلي، بالإضافة إلى مصادر التمويل وقضايا التعاون الدولي وإدارة المساعدات الخارجية.

أرقام إسكوا الجديدة تفوق أيضاً أرقام البنك الدولي، الذي قدر في شهر تموز من العام الماضي 2017، الخسائر التراكمية للاقتصاد السوري جراء الحرب بنحو 226 مليار دولار، وهو ما يوازي أربع مرات الناتج المحلي الإجمالي عام 2010، أي قبل الحرب.

ويعود السبب الرئيسي في ارتفاع تقديرات المنظمة الأممية لتكاليف إعادة الإعمار في سورية إلى استقرار عدة مناطق في سورية، وخروج النزاعات منها، الأمر الذي ساهم في إمكانية التحديد الفعلي لحجم الأضرار. ولعل استقرار حلب وريف دمشق اللتان تعرضتا لدمار كبير، رفع الأرقام الأممية المقدّرة بعد تحديد حجم الأضرار فيها.

عجلة الاقتصاد السوري… والدوران

لا يمكن في ظل الأوضاع الحالية القول إنّ عجلة الاقتصاد السوري قد بدأت بالدوران فعلاً، في ظل عدم عودة قطاعي الزراعة والصناعة إلى الإنتاج الفعلي، إلا أن ما يمكن أن يبنى عليه فعلاً أن هذين القطاعين لن يتعرضا لضرر أكبر، ما يعني أن مرحلة السالب فيهما توقفت إيذانا بالمرحلة الإيجابية.

الدكتورة في الاقتصاد نسرين زريق ترى خلال حديثها إلى «الأيام» أن الاقتصاد السوري تعرض لانتكاستين فعلياً، الأولى في العام 2013 في قطاعات الزراعة والخدمات والسياحة، بالإضافة إلى خروج قسم كبير من قطاع النفط، والثانية في العام 2015 حيث دخل الاقتصاد السوري في دوامة التضخم، التي تشكل المعضلة الحقيقية.

وتابعت الدكتورة زريق، أن القطاعات التي تعرضت للتضرر في الأعوام 2011، و2013، بدأت بالتعافي في العام 2016، حيث بدأت القطاعات الاقتصادية تتحسن، ولكننا لم نشهد تحسناً في الاقتصاد رغم تحسن تلك القطاعات، والسبب الرئيسي في ذلك هو التضخم، والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأزمة حلب، التي تمثّل أحد ركائز الاقتصاد السوري.

وترى الدكتورة في الاقتصاد أن التحسن في قطاعات الإنتاج في سورية، سيُلمس أثره خلال العامين المقبلين، إذ تعاني سورية من عجز في الميزان التجاري بنحو 4 مليارات دولار، حيث تستورد سنوياً بنحو 5 مليارات دولار، في حين لا تتجاوز قيمة ما تصدّره مليار دولار، مشيرة إلى أن منظمة التجارة العالمية، أوضحت في تقرير لها عن سورية أن الصادرات السورية ستتحسن في العام 2020 بشكل كبير لتصبح إيجابية.

الكويت والإمارات وقطر… ولبنان

عقد في دمشق في السادس والعشرين من شهر تموز الماضي مؤتمر دولي للمستثمرين ورجال الأعمال، شارك فيه عدد كبير من رجال الأعمال العرب، فتح الباب أمام استثمارات عربية كبيرة ستدخل السوق السورية.

بالتزامن مع ذلك، بدأت الإمارات إعداد وتجهيز سفارتها في دمشق تمهيداً لإعادة افتتاحها، بعد زيارة قام بها مسؤول إماراتي إلى سورية أجرى خلالها سلسلة لقاءات أمنية.

وعلمت «الأيام» أن رجل أعمال إماراتي ذو علاقة كبيرة بالحكومة الإماراتية، بدأ ينشط بشكل كبير في سورية ليفتح الباب أمام دخول الاستثمارات الإماراتية إلى السوق السورية، للمشاركة في إعادة الإعمار. كذلك، بدأ مجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين يستعدون إلى دخول السوق السورية بحثاً عن حصة فيها.

بالتوازي مع ذلك، يسعى مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين الكويتيين والقطريين إلى دخول السوق السورية، بدفع إيراني، وفق ما ذكرت الدكتورة زريق، التي أوضحت أن مجموعة من التجار الأردنيين زاروا دمشق أيضاً، وقاموا بإجراء سلسلة لقاءات مع مسؤولين سوريين لإنشاء شراكة اقتصادية، خصوصاً أن الأردن تشهد طفرة في قطاع الصناعات الاستخراجية، الأمر الذي تحتاجه سورية بشكل فعلي.

وتؤكد الدكتورة في الاقتصاد أن إعادة الإعمار الحقيقية ليست مجرد تطوير عمراني أو إنشاء عمراني، بل يدخل في صلبها الصناعات والزراعات، وتنشيط القطاعات الاقتصادية جميعها، الأمر الذي فتح الباب أمام صناعيين استراتيجيين للبحث عن فرص استثمارية في السوق السورية.

ووسط السعي الخليجي لدخول السوق السورية، في ظل التوتر السياسي والسنوات السبع الماضية، التي أضرت بالعلاقات السورية الخليجية بشكل كبير، ينتظر أن يلعب المستثمرون اللبنانيون دورا محورياً في هذا الملف، سواء عبر الوساطة، أو عن طريق دخول شركات لبنانية ذات تمويل خليجي، السوق السورية.

وأمام التدافع الخليجي نحو السوق السورية في الوقت الحالي، بدأت الحكومة السورية مناقشة شروطها للسماح لتلك الدول بدخول السوق، ووفق ما ذكرت مصادر متقاطعة، فإن دمشق كانت مرنة مع الكويت مقارنة بالإمارات وقطر، حيث فرضت على قطر مجموعة من الشروط التي وصفها المصدر بأنها «قاسية» مقابل دخول الاستثمارات، وهي شروط نقلتها إيران إلى قطر في الوقت الحالي.

في ذات السياق، علمت «الأيام» أن جهوداً حثيثة تبذلها الحكومة السورية في الوقت الحالي بالتعاون مع مجموعة من المستثمرين السوريين لإعادة صناعيين سوريين هجروا سورية إلى دول عربية أخرى، وسط تسهيلات وضمانات قد تكون مغرية، خصوصاً في قطاع الصناعات، والصناعات النسيجية على وجه التحديد، الذي تعرضت لضرر كبير جراء الحرب.

2019… بدء الانتعاش؟!

وسط كل الحديث عن إعادة الإعمار مازال يجد المواطن السوري نفسه يعيش ضمن ظروف اقتصادية صعبة، في ظل انخفاض الرواتب وارتفاع الأسعار، الأمر الذي توقع مجموعة من الخبراء أنه لن يدوم خلال الفترة المقبلة.

ويجري الحديث في الوقت الحالي عن زيادة مرتقبة في الأجور والرواتب، بالتزامن مع بدء انخفاض الأسعار بشكل تدريجي، حيث يتوقع أن يدخل الاقتصاد السوري مرحلة انكماش بعد «ثورة التضخم» التي عانى منها خلال السنوات الماضية.

وتمكّن مصرف سورية المركزي من ضبط قيمة العملة السورية وتثبيت سعر الدولار ضمن حدود 440 ليرة سورية طيلة الأشهر الماضية، الأمر الذي ساهم في تشكل أرضية مستقرة للمرحلة المقبلة.

بدورها، وافقت الحكومة مؤخرا على خطة لجذب أموال السوريين في الخارج، تتضمن إصدار شهادات إيداع بالعملات الأجنبية في المصارف العاملة بعوائد تنافسية، لضخها في الاقتصاد الوطني. وقال وزير المالية مأمون حمدان إن الحكومة ناقشت المسألة وتم تحديد سعر الفائدة بشكل أولي عند 4.25% للإصدار الأول، مشيرا إلى أن أي شخص داخل سورية أو خارجها يمكنه إيداع أمواله من خلال شراء شهادات الإيداع.

كذلك، ينتظر أن تساهم الاستثمارات المرتقبة في سورية في تحريك السوق السورية ووجود وفرة في فرص العمل، خصوصاً مع بدء عملية إعادة اللاجئين السوريين من دول الجوار، وأوروبا، ضمن خطة العمل التي تعمل عليها روسيا، رغم تعقيدات هذا الملف في ظل عدم رغبة قسم من السوريين اللاجئين في أوروبا العودة إلى سورية، ورفض منظمة اللاجئين التحركات الروسية في هذا الملف.

وعلى الرغم من توافر جميع العوامل المساهمة لبدء الانتعاش في الاقتصاد السوري، يُبدي خبراء اقتصاديون تخوفهم من عدم لمس المواطن السوري لهذا الانتعاش، بمعنى أن ينحصر الانتعاش في طبقة واحدة غنية، من دون أن يصل أثره إلى الطبقات الفقيرة والأشد فقراً، في هذا السياق، لا تخفي الدكتور نسرين زريق خشيتها من إشادة مباني وشقق لا يستطيع المواطن السوري شراءها، وتوافر سيارات في الشوارع السورية لا يتمكن المواطن السوري من شرائها أيضاً، الأمر الذي يتطلب عملاً متكاملاً يساهم بنهضة في المجتمع السوري ككل، وليس في قسم أو طبقة صغيرة منه، في ظل وجود أكثر من 85% من السوريين يعانون الفقر، وقسم منهم يعانون الفقر المدقع وفق تقارير أممية.
الأيام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *