أخبار سياسية

أبعاد هرولة الإمارات نحو سوريا

بقلم أحمد الزهاوي:

تمّ الإعلان عن أن دولة الإمارات أعادت فتح سفارتها في سوريا للعمل رسمياً من جديد بعد إغلاقها لمدّة سبع سنوات بسبب الموقف الإماراتي المناهض للدولة السورية منذ بداية الأحداث والحرب على سوريا، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة في الأوساط السياسية العربية في الوقت الحالي، ما هي أبعاد إعادة فتح الإمارات سفارتها في سوريا للعمل من جديد بشكل رسمي؟.

بالرغم من أن هناك تحالفاً ظاهرياً بين الإمارات والسعودية إلا أن المتعمّق في مجريات الأحداث في الوطن العربي وخاصة في ساحتي سوريا و اليمن سيُدرك أن هناك حرباً باردة تحدث على زعامة العالم العربي بين الإمارات والسعودية، فالإمارات تدخّلت في حرب اليمن بشكل جزئي من أجل تحسين مصادر حصولها على الطاقة ولكي تسيطر على مواقع مائية استراتيجية جديدة تطلّ علي البحر الأحمر وفي نفس الوقت قامت الإمارات بتوريط حليفتها السعودية في حرب دموية استنزافية بشرياً واقتصادياً للسعودية في اليمن، شوّهت صورة القيادة السعودية عربياً وإسلامياً بسبب المجازر التي ترتكبها يومياً بحق المدنيين اليمنيين الأبرياء.

واستنزفت السعودية بشرياً واقتصادياً في الساحة اليمنية فتكبّد الجيش السعودي خسائر كبيرة في الأفراد، وتكبّد الاقتصاد السعودي خسائر مالية مهولة حيث قالت صحيفة الواشنطن بوست في تقرير لها عام 2017 إن السعودية تنفق 250 مليون دولار يومياً في حربها على اليمن، وفي الحرب السورية اتبعت الإمارات نفس الأسلوب مع السعودية فهي شاركتها في دعم الإرهابيين في سوريا، لكن الإمارات لم تقطع كامل الاتصالات مع الدولة السورية بعكس السعودية التي دعمت الإرهابيين دعماً غير محدود وقطعت العلاقات والاتصالات مع سوريا بشكل كامل، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد التطاول الشخصي من وزير الخارجية السعودي السابق السيّد عادل الجبير على شخص الرئيس د. بشّار الأسد، وسياسة الإمارات مع السعودية كانت واضحة وهي التحالف معها في الحروب لكن مع توريطها واستنزافها بشرياً واقتصادياً وشعبياً في تلك الحروب.

ورغم أن الإمارات كانت شريكة في تلك الحروب إلا أنها اشتركت فيها بشكل حذر لا يورّطها أو يستنزفها في وحول الحروب الاستنزافية المنهكة مثل حرب اليمن على سبيل المثال، ومن هنا نستطيع أن نفسر كيف كانت الإمارات أحد أكبر الدول مع السعودية التي تدعم الإرهابيين في سوريا، ورغم ذلك استطاعت توريط السعودية في عداء مطلق وغير مبرّر مع الحكومة الشرعية في سوريا ثمّ تراجعت هي وأعادت فتح سفارة بلادها في دمشق، فالإمارات تمارس السياسة بشكل براغماتي بعكس السعودية التي تمارس السياسة من باب الأهواء الشخصية، والإمارات تستغل ذلك بشكل غير مباشر لاستنزاف السعودية حتى تتمكّن هي من زعامة دول الخليج كخطوة أولى وكامل الدول العربية كخطوة لاحقة.

وأحد أهم أسباب رغبة الإمارات في عودة العلاقات مع سوريا إلى مسارها الطبيعي هو الصراع المحتدم على قيادة العالم العربي بين الإمارات والسعودية من جانب وتركيا من جانب آخر، فالإمارات والسعودية تسعيان الآن وبقوة بوساطة مصرية إلى تشكيل تحالف سوري سعودي إماراتي مصري ضد الدور التركي التخريبي الداعم للإرهابيين في سوريا ومصر، والمعتمد بشكل رئيسي على جماعة الإخوان المسلمين ومعاداة الإمارات والسعودية لجماعة الإخوان المسلمين سببها الرئيسي عمالة تلك الجماعة للمشروع التركي الاستعماري في المنطقة، فتركيا تسعى للسيطرة على الدول العربية وغزوها اقتصادياً وثقافياً وسياسياً عن بُعد أي عبر القوة الناعمة، وأحد أهم أدوات تركيا في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، فالإمارات تيقّنت أنها لن تستطيع مواجهة المشروع التركي إلا عبر التحالف مع سوريا الدولة العربية التي قاومت المشروع التركي وهزمته ومنعت وصول الإخوان المسلمين أو حتي مشاركتهم في الحكم في سوريا، فالتقارب مع سوريا أمر مصيري للإمارات لجهة صراعها مع تركيا والدولة السورية وعبر دهاء الرئيس د. بشّار الأسد تدرك ذلك وتستطيع أن تحقق أقصى استفادة استراتيجية من تلك التناقضات الاقليمية وهكذا عهدنا القيادة السورية قيادة ذكية وحكيمة وصبورة.

ومن أسباب رغبة الإمارات في التقارب مع سوريا هي إدراكها للتطوّرات التي حدثت في النظام الدولي الجديد وبدء انهيار النظام الدولي أحادي القطبية الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية وبروز نظام دولي جديد متعدّد الأقطاب ليس متكوّناً من الولايات المتحدة فقط بل يشمل روسيا والصين ودول البريكس، وهذا النظام الدولي لم يكن ليتشكل من دون صمود سوريا وعدم سقوطها في التبعية للمحور الأميركي الصهيوني، والإمارات أدركت ذلك وذهبت مباشرة للتقارب مع سوريا التي كانت السبب الرئيس في بروز هذا النظام الدولي الجديد متعدّد الأقطاب.

ختاماً يجب ذكر مقولة الداهية البريطاني وينستون تشيرشل الهامة والتي تعكس حقيقة العلاقات بين الدول وهي “في السياسة لا يوجد صديق دائم أو عدو دائم بل مصالح دائمة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *