تحليلات

الأهداف المعلنة والخفية وراء زیارة نتنياهو إلى عمان

هي كانت أشبه بهزة فجائية للمياه الراكدة، أوقعتها زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مسقط، هزّة يمكن اعتبارها انعكاساً للأجواء المتقلبة والتنافس الكبير الحاصل بين الدول الغربية والآسيوية والجهود التي يبذلها اللاعبون الرئيسيون من أجل تحقيق التوازن الأمني والسياسي في المنطقة، كما أن برود ردود الفعل الشعبية والإعلامية العربية على الإعلان العماني باستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي، توضح كم تغيّرت المنطقة عمّا كانت عليه في السابق، ومن هنا يمكننا القول إن أحد أهداف زيارة نتنياهو إلى عمان هو تقديم صورة واقعية عن الوضع الحالي في المنطقة أنها “خالية من الجدل الإعلامي”.

في الواقع، لا يوجد علاقات دبلوماسية بين كل من تل أبيب ومسقط، وهذه هي الرحلة الأولى إلى عُمان التي يقوم بها رئيس حكومة الاحتلال منذ عام 1996، وانطلاقاً من هنا شكلت زيارة نتنياهو إلى عمان مادة دسمة للصحافة الغربية التي طرحت تساؤلات عديدة من بينها: لماذا الآن ولماذا تم اختيار مسقط دون غيرها من الدول؟، وللإجابة على هذه التساؤلات يمكن تقسيم أهداف رحلة نتنياهو إلى مسقط إلى قسمين: أهداف رمزية وترويجية وأهداف حقيقية وخفية.

أهداف رمزية وترويجية

في سياق الأهداف الرمزية لرحلة نتنياهو إلى عُمان يمكننا القول إن أحدها هو إظهار التطبيع المتزايد للدول العربية مع الكيان الإسرائيلي، وفي هذا الصدد، بذل الكيان الإسرائيلي والدول الغربية على مدى العقود الماضية جهوداً مضنية من أجل وضع حد للعزلة التاريخية التي يعيشها الكيان الغاصب من قبل الدول العربية التي تحيط به، وذلك عبر التطبيع معهم ما يفقد بنظرهم القضية الفلسطينية الأهمية بمرور الوقت، هذا الأمر ازداد أكثر في السنوات القليلة الماضية خاصة بعد البروباغندا الإعلامية التي تشنها أمريكا على إيران باعتبار أنها الخطر الأكبر على دول المنطقة، ما دفع ببعض هذه الدول كالإمارات والبحرين والسعودية إلى التطبيع مع الكيان الغاصب باعتباره حليفاً ضد “العدو الإيراني”، ومن هنا يتمثل أحد الأهداف الرمزية لزيارة نتنياهو إلى عمان هو إظهار التقدم في تطبيع العلاقات مع الدول العربية وانتهاء العزلة التاريخية التي كان يعيشها الكيان في الوقت الحالي.

هدف معنوي آخر أراد نتنياهو إيصاله إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، أن “عدوكم الأول في المنطقة أصبح على حدودكم”، وليس من مسقط فقط، بل من أذربيجان حيث كان أرفع مسؤول في الجيش الإسرائيلي يزور أذربيجان في الوقت نفسه مع سفر نتنياهو إلى عمان، إضافة إلى إقليم كردستان الذي سعت “إسرائيل” على مرّ السنين الى توطيد علاقتها مع مسعود البارزاني الذي جعل لهم موطئ قدم مهم هناك، إضافة للإمارات التي زارتها وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف، برفقة وفد رياضي إسرائيلي يشارك في مباريات الجائزة الكبرى للجودو التي تقام في أبوظبي خلال زيارة هي الأولى من نوعها لوزير إسرائيلي إلى دولة خليجية، ويمكن وضع هذه الإجراءات المتسارعة رداً على الهزائم الإقليمية الواسعة النطاق في المنطقة التي لحقت بـ “إسرائيل” وحلفائها ضد محور المقاومة الذي أصبح أقوى مما مضى والذي ساهم بشكل كبير في زيادة العزلة الإسرائيلية، ومن الهزائم التي لحقت بتل أبيب نذكر أنهم فشلو في طرد إيران من سوريا،  كما أن إعطاء روسيا منظومة اس 300 للنظام السوري شكل هزيمة أخرى للكيان، خاصة أن هذه المنظومة منحت الحماية الكاملة لسوريا ولبنان من أي عدوان جوي إسرائيلي محتمل عليهما، هذه الهزائم شكلت مادة دسمة داخل الكيان الإسرائيلي وزادت من الضغوط على نتنياهو وحزبه خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وبالتالي إن أحد أهداف زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مسقط هو تحسين الصورة الداخلية قبل الانتخابات.

إلا أننا في المقابل يمكننا إعلان أن هذين الهدفين قد فشلا قبل أن يتحققا، ففيما يخص الهدف الأول ظهر تناقض في الرواية الإسرائيلية والعمانية، بحيث إن نتنياهو قال في بيانه الذي أصدره بعد الرحلة إن الزيارة أتت بعد طلب عماني، أما الرواية العمانية والتي أتت على لسان وزير الخارجية، تقول إن الكيان الإسرائيلي هو الذي طلب الزيارة بهدف عرض أطروحته الجديدة للسلام مع الفلسطينيين، وبالتالي يظهر من هذا الكلام أن عمان فرضت عليها ضغوط أمريكية من أجل السماح لنتنياهو بزيارتها، أما بالنسبة للهدف الثاني وهو تحقيق التوازن مع إيران، يمكننا القول إن زيارات الكيان الإسرائيلي إلى دول المنطقة لا تزال رمزية وليس لها أساس استراتيجي ولا يمكن اعتبارها في الوقت الحالي خطراً على الأمن القومي الإيراني، أما على العكس تماماً إن حضور  محور المقاومة على حدود فلسطين المحتلة من الناقورة اللبنانية إلى الجولان المحتل يشكل خطراً كبيراً على الأمن القومي الإسرائيلي يحسب لمحور المقاومة .

الأهداف الرئيسية والخفية

وفيما يخص الأهداف الرئيسية لزيارة نتنياهو إلى عمان يمكننا القول إن أحدها هو تخفيف الضغوط العالمية التي تتعرض لها السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان بسبب قضية قتل الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، وذلك بسبب الدعم الكبير الذي يقدمه ابن سلمان لحكومة نتنياهو فيما يخص تأييده لصفقة القرن الأمريكية والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي والتخلي عن القضية الفلسطينية، وبهذه الزيارة يريد نتنياهو حرف الأنظار العربية والعالمية عن حليفه الأمير الشاب عبر خلق قنبلة إعلامية تخفف من وطأة الضغوط العالمية عنه.

أما الهدف الرئيسي الآخر الذي يهدف نتنياهو إلى تحقيقه هو إحياء صفقة القرن بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، خاصة بعد رفض الفلسطينيين لها وقيام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى إعلانه عن انتهاء الوساطة الأمريكية بينه وبين الكيان الإسرائيلي، وفي هذا السياق، من المهم ذكر أن الرئيس الفلسطيني قام بزيارة عمان قبل يوم من زيارة نتنياهو إليها الأمر الذي زاد من تكهنات لعب عمان لدور الوسيط بين الطرفين.

ويمكننا القول هنا أن هذا الهدف أيضاً لن يتحقق، خصوصاً بسبب رفض الفلسطينيين لهذه الصفقة، ورفضهم للسلوك الأمريكي الذي لم يتغير منذ عهد باراك أوباما إلى يومنا هذا، إضافة إلى أن الأوروبيين نفسهم لم يستطيعوا تحقيق تقدم في هذا الملف أيضاً، وبالتالي فإن عمان أو أي دولة عربية أخرى لن تستطيع تحقيق أي تقدم في ظل إصرار الفلسطينيين على بناء دولتهم الموحدة وعاصمتها القدس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *